Jan. 2, 2016

حواف

 تمشي وحدك، بِشارعٍ مصفرّ اللون، الوقت ليلٌ، كلبٌ هنا، كلبان هناك، "بلد لا يقطنها سوى الكلاب"، قلتَ. وحدك تمشي، ليلاً، تتساءل: أهكذا هي الحياة، حياةٌ فقط؟! يروحون، يجيئون، يأكلون، يتغوّطون، يجتمعون، ينامون، يَشْتُمون، يدّعون صفاتٍ بشريةٍ - قميئةٌ هي الأخرى – لا يملكونها، ثمّ يكرّرون كلّ تلك الصِّفات، مجدداً، يروحون يجيئون، يأكلون، يتغوّطون، يجتمعون، ينامون، يَشْتُمون.. إلخ. 

لا فرق بين نهاره وليله سوى العُري، تتعرّى ليلاً والليل، تمارسان الجنس جهاراً فضاءً، أمام عيون الإله! لماذا صرت تشعر بِأن بينك والجنون شعرةٌ، أو.. نصفها؟ لست تدري!! تنام على الأرض..  أينما وُجِدَتْ؛ على رصيفٍ، مجاري، ميدان. أينما وَجدتَ، تستلقي على الأرض، تلامس ترابها بِحنكةٍ، تتذكر تلك الليلة التي ضاجعتَ فيها علبة معجون الطّماطم! تبتسم، ثمّ تضحك، ضحكةً مجلجلةً، كأفعى صمّاء، تتذكر كيف أنّ من يأسك وبأسك جعلت العلبة تصل إلى النّشوة قبلك!! "أنت مقرف"! تماماً، كما قالت لك تلك الفتاة التي افترضتها ذات يوم! 

تتذكر كَمْ كنتَ تخاف من أنْ تتغوّط!! تخاف إلى أبعد حدٍّ يمكن تصوّره، وتعتقد أنّ التّغوّط أمر غير طبيعي البتّة!! وكَمْ كنتَ بعده تشعر بِالبرد، وترتجف، تشعر بِأنّك مريضٌ، وأن ليس هناك من شفاءٍ قريبٍ!! وتفقد قدرتك على التّبوّل إلى صباح اليوم التّالي! (كَمْ تتغير أحوالك!!) تفكّر، صرتَ بعد ذلك تتغوّط منتشياً، وتستمتع بِذلك الخدر اللذيذ الذي يُسببه لك، وتتألم بِلذّةٍ كفتاةٍ عذراء عندما يلجك الغائط إلى الخارج، وما بين الولوج والحك؛ تتعرّق بِطريقةٍ سريالية، تتأمل جسدك المغطّى بِاللؤلؤ، وتتخيل نفسكَ فتاةً صغيرةً جميلةً تكتشف جسدها للتو! كم تستمتع بِذلك! فصرتَ تمارس التّغوّط ليلاً – كلما تسنّى لك ذلك – أمّا عند الصّباح فهو أمرٌ لا بدّ منه، إذ إنّك صباحاً دائماً ما تكون في قمة الاستثارة والرّغبة، وتكون هادئاً وذا مزاجٍ رائقٍ، أتذكر ذلك اليوم؟! يوم أنْ وضعتَ مساحيق التّجميل مثل الفتيات، وتعطّرتَ بِعطرٍ نسائيٍ غريبٍ وذهبت لغرفة الـ آآآ، أقصد ذهبتَ للحمّام، وصرتَ تتأوه كعاهرةٍ تدّعي النّشوة، وبعدها ولجك الغائط للخارج؟! كانتْ تلك آخر مرّةٍ تمارس الغواط، أو.. التّغوّط، لست تذكر ما الذي حدث وجعلك تتوب عن فعلتك تلك؟!؟! المهم، أنت الآن مرتاح البال، تتذكر صديقك الشّاعر – الذي أحببته سرّاً – عندما قال لك: 

 

"إذ تنتهي مطراً؛ تلثمك الأرض للهفة شوقها وشوقك 

إذ تنتهي مطراً ولا تلثمك الأرض؛ يزهر طيفها موتك 

في الحالين: شهيد القُبلة الأولى!!". 

 

 

لم تستطع أنْ تقول شيئاً، لكن لربّما الآن عزاؤك الوحيد هو أنّ السّماء بِمكبّرات الصّوت التي خلقْتَها بِها، والتي لَمْ تخلِقْها على عجلٍ بل بِتريّثٍ وحنكةٍ كبيرين، إذ جعلتَ السّماء مليئةً بِمكبّراتٍ صوتٍ قويةٍ لأقصى درجةٍ يمكن لكائن تصورها، وأنّها من قوّتها تتقافز لأسفل، حتّى أنّك تشعر بِأنّها سترتطم بِرأسك ذات يوم! لكنْ.. الشّيء الجيِّد أنّها لا تزال تطربك بِكلّ تلك الأغنيات التي تحبّها، أو بِالأحرى التي يحتاجها مزاجك عند الصّباح: ترانيمٌ سماويةٌ عندما تشعر بِالخواء، موسيقى "الجاز" تُشعرك بِالغِبطة، "الريقي" يدفعك للبكاء، صوت الفتيات السّماويات يُشعرك بِأنّك لا زلتَ على قيد الحياة، وأنّ الحياة جيَّدةٌ، وأنّك مليء بِالحبّ الذي ربّما لن يعرفه أحدٌ سوى علبة معجون الطّماطم.